صناعة الثقافة والترفيه في السعودية

مضى وقت طويل على غياب مظاهر الثقافة والترفيه عن المشهد السعودي، رغم كل المحاولات الخجولة التي سعت لإبراز الفنون في فترةٍ سابقة باعتبارها رابطاً وأساساً هاماً لبناء الثقافة لدى الشعوب والحضارات. فاليوم تخطو المملكة خطوات كبيرة ومتسارعة لعمل حراك كبير على المستويين الثقافي والترفيهي يقفز بها لتكون إحدى الدول الرائدة في هذين المجالين.

إن أبرز ما تشكله الصناعتان من أهمية يكمن في أنهما وعاء لاحتواء الفنون السعودية وإرثها العريق لتكون لغة الحوار التي نتصل بها مع ثقافات العالم المختلفة؛ حيث إن أبرز التطلعات الكبيرة التي تقع على عاتق هاتين الصناعتين هو في تمكين المبدع السعودي من خلال توفير بيئة تلائم احتياجاته وتساهم بازدهاره، وبعد ذلك تحتويه وتصنع منه مُنْتِجًا مبدعاً تقدمه للعالم كمزجٍ ثقافيٍ ترفيهي. لم تعد التنمية حصراً على الاقتصاد والصناعة وحسب، بل أصبحت تنمية الثقافة والفنون لها شأن مهم أيضاً كونها تشكل أهم ملامح الشعوب وتراثها الذي يحمل قيمها ومعناها.

الثقافة والترفيه كقوى ناعمة:

فرقة البي تي اس الكورية

في عصرنا الحالي تغيرت كل مفاهيم القوة، لم تعد تُقاس الدول بما تملكه عدةً وعتاداً، ولم تعد القوة الخشنة السبيل الوحيد للوصول للمكتسبات، لذلك أصبحت القوة الناعمة سلاحاً بارزاً من خلال خلق رأي إيجابي حول قيم وثقافة الشعب في أعين الشعوب الأخرى، عن طريق تعبئة الموارد الثقافية وتصديرها لتشكل مواقف وتفضيلات على المدى البعيد.

يقول رئيس الخارجية الأمريكي السابق كولن بأول: “لا أستطيع أن أفكر في رصيد لبلدنا أثمن من صداقة قادة عالم المستقبل الذين تلقوا تعليمهم هنا”. فهو يؤكد على التقدير الذي زُرِعَ بهؤلاء الطلبة للقيم والثقافة والفنون الأمريكية، ومدى تأثرهم بها، وعلى إثر ذلك دائماً يقال أن الثقافة والفن يستطيعان تحقيق ما لا تحققه السياسة.

تلعب صناعة الثقافة والترفيه دوراً جوهرياً في صناعة قوى ناعمة للدول، فعلى سبيل التأثير يستطيع القارئ أن يميّز -من غير ذكرٍ مباشر- تلك المدينة الراقية بالأزياء والعطور، أو تلك الأخرى الثرية بكل ما يتعلق بالأطعمة كالباستا والبيتزا، فهذه المدن اعتمدت بشكل مباشر على ثقافتها وفنونها لصناعة صور ذهنية لدى شعوب العالم لتعزز أهميتها في المجال التي تريد.

تملك كوريا الجنوبية تجربة فريدة في صناعة الثقافة والترفيه؛ حيث كانت إرادة سياسية استراتيجية، عندما ذكر الرئيس الكوري كيم داي جونغ لفظ “هاليو” أول مرة عام 2001، والذي يعني الموجة الكورية، تعبيراً عن حركة ثقافية كبيرة تتبناها الدولة، تسعى من خلالها لتطوير صناعة الترفيه لتكون ظاهر عالمية كبيرة.

تعتبر فرقة (BTS) الكورية واحدة من أكثر مظاهر هذه الصناعة نجاحاً؛ حيث إنها شكلت أداة مهمة في القوة الناعمة بوصفها أبرز منتج يقدم الثقافة الكورية للعالم. فوفقاً لمعهد أبحاث هونداي، تساهم الفرقة بأكثر من 3.6 مليار دولار للاقتصاد الكوري الجنوبي، ويقدر السياح الذين يزورون كوريا لاهتمامهم بالفرقة حوالي 800 ألف سائح سنوياً، ويشكل هذا الرقم 7% من اجمالي الوافدين. إن السياق الذي يُنظر من خلاله لصناعة الثقافة والترفيه، هو سياق يهدف الى تعزيز سمعة الدول وإقامة جسور تواصل مع الشعوب على كافة المستويات لبناء روابط إيجابية تتعلق بثقافتها وقيمها.

الثقافة والترفيه في السعودية:

جانب من الفعاليات المصاحبة لمهرجان سوق عكاظ

نشوء وزارة للثقافة وهيئة للترفيه هي أشبه بميلاد جديد للصناعتين، فقد ذكر نص الرؤية اهتمام بالغ بهما

تُعدّ الثقافة والترفيه من مقومات جودة الحياة، وندرك أن الفرص الثقافية والترفيهية المتوافرة حالياً لا ترتقي إلى تطلعات المواطنين والمقيمين

المتأمل في هذه المرحلة سيجد أن الحراك ليس حصراً على استضافة الموسيقى والعروض العالمية للمملكة، بل يصل الى السعي في صناعة محتوى محلي من عمق الثقافة في بلادنا، بأبعادها الأثرية والأدبية والفنية، فقد قدم موسم الطائف أنموذجًا رائعًا في مزج الثقافة بالترفيه؛ حيث كان مهرجان سوق عكاظ تجربة ثرية في تجسيدٍ بانوراميٍّ حيٍّ شارك فيه أكثر من 2000 ممثل، يرتدون ملابس قديمة ويتحدثون الفصحى، وكأن التاريخ عاد بأصحابه وأخبارهم ليتناولهم أمامنا بصورةٍ درامية تفاعلية بديعة.

وفي العُلا، كان شتاء طنطورة الماضي المهرجان الثقافي الأبرز، إذ قُدّمت فعاليات ثقافية وترفيهية وفنية مستلهمة من تراث العلا، ممثلين بذلك استفادة كبيرة من التاريخ العريق للفكر والثقافة والحضارة العربية والإسلامية المنبثقة من الجزيرة العربية.

كل هذه التجارب وغيرها الكثير، هي إرادة وطنية جادة لتطوير صناعتي الثقافة والترفيه في المملكة، وبالرغم من أن الطريق لا زال طويلاً ويحتاج لجهود مضاعفة، إلا أن المؤشرات تبدو باعثة للأمل. نملك كل الإمكانات للعمل على صناعة رائدة متفردة على مستوى الفنون والإبداعات السعودية، فاليوم ندخل عصراُ ثقافياً برؤىً مختلفةٍ وطموحة، نسعى من خلالها لتقديم أنفسنا بالشكل الذي يليق بثقافتنا وتاريخها.